فتاوى القراءات

فتاوى قرائية
فتاوى قرائية

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه فتوى قرائية وهي عبارة عن سؤالين طرحا على المؤلف بداية القرن الثاني عشر الهجري؛ الأول يتناول مسألة إسقاط المد الطبيعي، والثاني يتناول مسألة إجراء الوصل مُجرى الوقف في غير المواضع التي نُقِل فيها، وهاتان المسألتان شاع الوقوع فيهما من طرف قراء تلك الفترة، وإليكم نص السؤالين مع الجواب عليهما من طرف أبي حفص عمر بن عبد الله الفاسي رحمه الله:

الحمد لله الذي نزّل أحسنَ الحديث كتاباً متشابها مثاني، وقيّض لدراسته في القديم والحديث من قضى له بتيسير حِرْز الأماني، ناهيك بعصابةٍ جعلهم الله من المُصطفيْن الأخيار، وأورثهم كنزَ المعارف والأسرار، والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد، أفصحِ من نبع في دَوْحة اللسَن، وأفضلِ من جمع بين الخُلُق العظيم والخَلْق الحسَن، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وصحابته المُنتخَبين.

وبعد، فيقول العبد الفقير إلى الله تعالى: عمرُ بن عبد الله بنِ عمرَ بنِ يوسفَ الفاسي، كان الله له وليّا، وبه حفيّا:

رفع إليّ بعض الإخوان سؤالا عن مسألتين:

إحداهما: إسقاطُ المد الطبيعي، ما حكمه؟

الثانية: مسألة إجراء الوصل مُجرى الوقف في غير المواضع التي نُقِل فيها، ما حكم ما يفعله الناس من ذلك؟

ولولا كرامةُ السائل عليّ ومكانتُه لديّ ما اقتحمت سلوكَ هذه الطرائق، ولا تكلّفت الولوجَ في هذه المضايق، ولا أمليت في الجواب حرفا، ولا أجريت في ميدانه طرفا، علما مني بقصور باعي، وإمحال رباعي، ونبُوِّ فكري عن معاهد التحصيل، وخلُوّ ذهني عن ذخائر التفريع والتأصيل، وأن أول ما يرجع إليه في الجواب علمُ القراءة، وأنا ممن لا يستطيع ارتقاءَه؛ إذ ليس لي بتعاطيه يدان، ولا في متعاطيه أخدان، وقد استعفيت السائل فلم يُعفِني، واشتكيت إليه فلم يُشكِني، لشدة حرصه على اقتناص العلوم، وفَرط ولوعه باقتباس أنوار الفهوم، فرأيت أنْ لا بد من إسعافه، ولا سبيل إلى خلافه، فقلت مستعينا بالله ومعتضدا بحوله، ومعتمدا على فضله العظيم ومعتصما بحبله:

ـ ثم ذكر رحمه الله مسائل مهد بها لجوابه ـ ثم قال:

وقد تم الغرض من رسم هذه المقدمة، فما بقي إلا الشروع في تقرير الجواب، بمعونة الملك الوهاب، فأقول: تضمن السؤال المذكور مسألتين:

الأولى: مسألة إسقاط المد الطبيعي، ما حكمه؟

والجواب أنه لا يجوز، لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من أئمة القراء، بل أجمعوا على لزوم المد الطبيعيّ، إلا ما شذ عن ابن كثير.

ولما ذكر الشيخ أبو محمد مكيُّ بنُ أبي طالب أنه لا بد من المدّ عند الهمزة؛ قال الجعبري: «إن أراد المدَّ الأصليَّ فلا وجه لتخصيصه بمجاورة الهمزة ، لِلزومه دائما عند الهمز وغيره، وإن أراد الفرعيَّ فليس بلازم عند الهمز عند ابن كثير وموافقيه، ويعني بالأصليِّ الطبيعيَّ، وهو الذي لا يتحقق حرف المد بدونه، وبالفرعي المزيديَّ المختلفَ بين القراء في مقداره»(1).

قلت: لعلّ أبا محمد يريد المدَّ الأصليّ، وإنما خصص اللزوم بمجاورة الهمز، لردّ ما رواه الأهوازي عن الحلواني والهاشمي، كلاهما عن القواس عن ابن كثير من البتر، وهو حذف حرف المدّ في جميع ما كان من كلمتين، قال: «واستثنى الحلوانيُّ عن القواس الألفَ، ومَدَّها مداً وسطاً في ثلاث كلمات لا غير: قوله تعالى: ﴿يا آدم﴾ حيث كان، و﴿يا أخت هارون﴾ و﴿يا أيها﴾ حيث كان، وباقي الباب بالبتر»(2).

قال ابن الجزري: «استثناء الحلواني هذه الكلم ليس لكونها منفصلة، وإنما كان الحلواني يتوهم أنها من المتصل، من حيث إنها اتصلت رسما، فمثّل في جامعه المتصلَ بـ﴿السماء﴾، و﴿ماء﴾، و﴿نداء﴾، و﴿يأخت﴾، و﴿يا أيها﴾، و﴿يا آدم﴾؛ قال الداني: وقد غلط في ذلك»(3).

قال ابن الجزري: وليس البتر مما انفرد به الأهوازيُّ، بل حكاه أبو عمرو الدانيُّ من رواية القواس عن الخزاعي عن الهاشمي عنه، وعن الحلواني من رواية قنبل عن ابن شنَبُوذ عنه.

قال الداني: وهذا مكروه قبيح، لا يعمل عليه ولا يؤخذ به؛ إذ هو لحن لا يجوز بوجه، ولا تحل القراءة به. قال: ولعلهم أرادوا حذفَ الزيادة لحرف المد وإسقاطَها، فعبروا عن ذلك بحذف حرف المد وإسقاطه مجازا.

قال ابن الجزري: «ومما يدل على أنهم أرادوا حذفَ الزيادة ـ كما قال الدانيّ ـ قولُ الحلواني فيما رواه الأهوازي عنه عن القواس، حيث استثنى الكَلِم الثلاث، ومدَّها مدا وسطا كما قدمنا، والله تعالى أعلم»ه‍(4).

فللتنبيه على ردّ هذه الرواية قال مكيّ: «لا بد من المد عند الهمزة»، يريد: لا يجوز البتر في ذلك، والله أعلم. وهذه الرواية هي ما أشرنا إليه بقولنا: «إلا ما شذ عن ابن كثير»، وقد علمت ما ذكره الداني فيها.

فإن قلت: لا يلزم من اتفاقهم على المدّ حرمةُ الإسقاط، لجواز أن يؤديَ إليه اجتهادُ مجتهد، بناءً على جواز القراءة بالرأي مطلقا، أو فيما هو من قبيل الأداء.

قلت: تقدم في المسألة الأولى من المقدمة تصريحُ الإمام القاضي أبي بكر الباقلاني بحرمة ذلك، وأن المرويَّ المحفوظَ عن أئمة الفقهاء وأصحاب الحديث وعلماء السنة القولُ بأن القراءة سنة متبعة، وشريعة مبينة، موقف عليها، لا مجال للرأي والاجتهاد فيها، وأن أهل الحديث والفقهاء يتبرأون ممن يرى ذلك ويبدِّعونه.

وسبق هنالك عن ابن الجزري أن مرتكبَ ذلك مرتكبٌ لعظيم من الكبائر، وتقدم أيضا في المسألة الثالثة من المقدمة أن لا فرقَ في ذلك بين ما كان من قبيل الأداء وغيرِه عند المحققين من أئمة القراء والأصوليين، خلاف ما ذكره ابن الحاجب ومن تبعه من نفي تواتر ما كان من قبيل الأداء، كالمد والإمالة، وتقدم هنالك أن مخالفة هؤلاء إنما هي في الخصوصيات، لا في أصل المد مثلا.

ثم إن إعمال الرأي عند من أجازه من القراء مشروطٌ بأن يكون عن أصل مجمعٍ عليه، أو عن أصل مطرد، ويعدمَ النص، ويغمضَ وجه الأداء، كما تقدم عن ابن الجزري وغيره في المسألة الأولى(5).

وقال القاضي أبو بكر بن الطيب رحمه الله ما نصه: «وأما من خالفنا في هذا الباب من ضعَفة المتكلمين والعوامّ من القراء والمنتسبين إلى العلم فإنه يقول في ذلك: إنه يجب اعتبار الحرف الذي ينفرد به القارئ، فإن دلّ الدليل على أنه خطأ وملحونٌ أبطلناه ورددناه، لِعلمِنا بأن الله تعالى لا يتكلم بالخطإ، ولا يبيح التعبير عن كلامه باللحن وخلاف الصواب والحق، وحصولِ الإجماع على ذلك؛ وإن كان صوابا يتكلم به جميع أهل العربية أو بعضُها من قبائل مصرٍ أو كافة العرب، وكان له وجه صحيحٌ، جوزْناه ولم ننكره، غير أنّا لا نبيح ذلك إلا بعد أن نعلم أن قراءة الرسول والصحابة لذلك الحرف وتلك الكلمة غيرُ محفوظةٍ ولا معلومة من الرسول، ولا عن الصحابة.

فأما نحن فإنّا نبطل هذا الجواب لأجل ما قدمناه، ونقول: إن قراءة كل حرف مشهور عن النبي عليه السلام شائع، ونقول: إنه لو كان الأمر في خفاء قراءةِ الرسول عليه السلام لبعض الأحرف والكلمات على ما توهموه لكان جوابهم هذا قريبا ليس ببعيد، غير أن الأمر في ذلك بخلاف ما يتوهمونه»، وتقدم عنه أيضا شيء من هذا المعنى في المسألة الثالثة(6).

وقد علمت أن الأمر في إسقاط المد الطبيعي على خلاف ما اعتبروه؛ أما أوّلا فلأنه خطأٌ ولحن، كما صرح به أبو عمرو الدانيُّ في ردِّ ما رواه الأهوازيّ، وصرح البيضاويُّ وغيرُه بأن إسقاط المدّ الذي بين اللام والهاء في اسم الجلالة لحنٌ، ونصه: «وحذف الألف لحنٌ تفسد به الصلاة، ولا ينعقد به صريحُ اليمين، وقد جاء في ضرورة الشعر:

ألا لا بارك الله في سهيل

 

إذا ما اللهُ بارك في الرجال»(7)

 

وأما ثانيا، فلأنّا علمنا كيفيةَ قراءة الرسول عليه السلام في الحرف، وأنه كان لا يخلُّ بالمد الطبيعي، لأنه متواتر ومتفق عليه بين الرواة كما تقدم.

وأخرج البخاري في صحيحه(8) عن عمرو بنِ عاصم عن همام عن قتادة قال: «سُئِل أنسُ بن مالك: كيف كانت قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مدّاً، ثم قرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، يمدُّ ﴿بسم الله﴾، ويمدّ ﴿الرحمن﴾، ويمدّ ﴿الرحيم﴾».

قال الحافظ ابن حجر: «المدُّ عند القراءة على ضربين: أصليّ، وهو إشباع الحرف الذي بعده ألفٌ أو واوٌ أو ياءٌ، وغيرُ أصليّ، وهو إذا عقب الحرفَ الذي هذه صفتُه همزةٌ، وهو متصلٌ ومنفصل، فالمتصلُ ما كان من نفس الكلمة، والمنفصلُ ما كان بكلمة أخرى، فالأول يؤتى فيه بالألف والواو والياء مُمَكَّنات من غير زيادة، والثاني يُزاد في تمكين الألف والواو والياء من غير إسراف، والمذهبُ الأعدل أن يُمَدّ كل حرف منها ضِعْفيْ ما كان يمدّه أولا، وقد يزاد على ذلك قليلا، وما أفرط فهو غير محمود، والمراد من الترجمة الضربُ الأول»(9).

ثم قال: «وأخرج ابن أبي داودَ من طريق قُطبةَ بنِ مالك: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر ﴿ق﴾، فمدّ هذا الحرف: ﴿لها طلع نضيد﴾، فمدّ ﴿نضيد﴾" وهو شاهدٌ جيد لحديث أنس، وأصله عند مسلم والترمذي والنسائي من حديث قطبة»ه‍(9).

فإن قلت: أليس أن القرآن يقرأ بالحدْر والتحقيق والتدوير، والحدْر هو الإسراع، ومِن لازمِه التخفيفُ بالقصر والتسكين والاختلاس، أو هو عينُ التخفيف؟!

قلت: بلى، وقد عرّفوا الحدْر كما في «النشر» بأنه: «إدراجُ القراءة وسرعتُها، وتخفيفُها بالقصر والتسكين والاختلاس، والبدلِ والإدغام الكبير وتخفيفِ الهمز، ونحوِ ذلك مما صحت به الرواية ووردت به القراءة، مع إيثارِ الوصل وإقامةِ الإعراب، ومراعاةِ تقويم اللفظ وتمكن الحروف» ه‍(10).

فانظر قوله: «مما صحت به الرواية» الخ، وليس القصرُ المذكور في هذا الكلام هو إسقاطَ المد الطبيعي الذي تتحقق به أحرفُ المد، وإنما المراد به عندهم حذفُ المد الزائد على المد الطبيعي الذي هو مد الصيغة.

وقد قال ابن الجزري أيضا: «وليحذر فيه عن بتر حروف المد، وذهابِ صوت الغنة، واختلاسِ أكثر الحركات، وعن التفريط إلى غايةٍ لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التلاوة»ه‍(10). فانظر قوله: «وليحذر فيه» الخ، فإنه مقتضٍ للتحذير من إسقاط المد؛ لأن إسقاطه موجب لإسقاط حروف المد، ضرورة أنه لا تحقُّق لحروف المد بدونه كما سبق.

فإن قلت: لعل التحذيرَ المذكورَ وعدمَ الصحة والجواز لا يراد بذلك أنه حرام ولا مؤثّم، وإنما يريدون بذلك أنه لا يجوز الجوازَ الأدائيّ، وهو الذي يحسُن في القراءة، ويروق في التلاوة، كما ذكروا أنه لا يجوز الوقفُ على المضافِ دون المضاف إليه، والنعتِ دون المنعوت، وقد صرح بذلك ابن الجزريّ(11).

قلت: صرح النوويُّ في كتاب «التبيان»(12) وفي «حلية الأبرار»(13) أن إشباع الحركة حتى يتولد منها حرفُ مدٍّ حرامٌ، يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع، ومثلُ الإشباعِ المفضي إلى زيادة حرف المدِّ الإسقاطُ المفضي إلى بتر حرف المدّ؛ فإن الزيادةَ والنقصَ أخوان في لزوم التغيير، فإن كان أحدهما حراما فلْيكن الآخرُ حراما، وكيف لا يكون كذلك وهو لحن وخطأٌ كما بيّناه؟! 

فإن قلت: أليس أن مرجع ذلك كلِّه إلى التجويد، وليس التجويد واجبا في غير الصلاة؟!

قلت: التجويد عند القراء عبارةٌ عن الإتيان بالقراءة مجودةَ الألفاظ، بريئةً من الرداءة في النطق، ومعناه انتهاءُ الغاية في التصحيح، وبلوغُ النهاية في التحسين، فلا نسلِّم رجوع المد إلى التجويد والتحسين، بل المدُّ لا بد منه في القراءة، سواء كانت مجودةً أو لا، ولو سُلّم فلا نسلم عدمَ وجوب التجويد في غير الصلاة.

قال الإمام الحافظ ابنُ الجزريّ في كتابه «النشر» ما نصه: «ولا شك أن الأمة كما هم مُتعبّدون بفهم معاني القرآن وإقامة حدوده مُتَعبّدون بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفةِ المتلقاةِ من أئمة القراءة، المتصلةِ بالحضرة النبوية الأفصحية العربية التي لا تجوز مخالفتُها ولا العدولُ عنها إلى غيرها، والناسُ في ذلك بين مُحسِن مأجور، أو مسيءٍ آثمٍ أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح العربيّ الفصيح، وعدل إلى اللفظ الفاسد العجميّ أو النبطيّ القبيح، استغناءً بنفسه واستبدادا برأيه وحدسه، واتكالا على ما ألف من حفظه، واستكبارا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه، فإنه مقصّرٌ بلا شكّ، وآثمٌ بلا ريب، وغاشٌّ بلا مِرية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم».

أما من كان لا يطاوعه لسانُه، و لا يجد من يهديه إلى الصواب، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعَها؛ ولهذا أجمع من نعلمه من العلماء على أنه لا تصح صلاةُ قارئٍ خلف أمّيّ، وهو من لا يحسن القراءة، واختلفوا في صلاة من يبدل حرفا بغيره، سواء تجانَسا أو تقاربا، وأصحُّ القولين عدمُ الصحة، كمن قرأ ﴿الحمد لله﴾ بالعين، و﴿الدين﴾ بالتاء، و﴿المَغضُوبِ﴾ بالخاء أو الطاء؛ ولذلك عدّ العلماءُ القراءةَ بغير تجويدٍ لحنا، وعُدّ القارئ بها لحّانا، وقسموا اللحن إلى جلِيٍّ وخفيّ، واختلفوا في حده وتعريفه، والصحيح أن اللحن فيها خلل يطرأ على الألفاظ فيُخِلّ، إلا أن الجليَّ يُخلّ إخلالا ظاهرا، يشترك في معرفته علماءُ القراءة وغيرُهم، وأن الخفي يُخِلّ إخلالا يختص بمعرفته علماءُ القراءة وأئمةُ الأداء، الذين تلقّوا ذلك من أفواه العلماء، وضبطوه من ألفاظ أهل الأداء، الذين تُرتضى تلاوتُهم، ويوثق بعربيّتهم، ولم يخرجوا عن القواعد الصحيحة، والنصوص الصريحة، فأعطوْا كل حرف حقَّه، وأنزلوه منزلتَه، وأوصلوه مستحقَّه من التجويد والإتقان، والترتيل والإحسان.

قال الشيخ الإمام أبو عبد الله نصرُ بنُ علي بنِ محمدٍ الشيرازيُّ في كتابه «الموضح في وجوه القراءة»، في فصل التجويد منه، بعد ذكر الترتيل والحدْر ولزوم التجويد فيهما، قال: «فإن حسنَ الأداء فرضٌ في القراءة، ويجب على القارئ أن يتلو القرآن حقَّ تلاوته، وصيانةُ القرآن عن أن يجد اللحنُ والتغيير إليه سبيلا.

على أن العلماء قد اختلفوا في وجوب حسن الأداء في القرآن، فبعضهم ذهب إلى أن ذلك مقصورٌ على ما يلزم المكلفَ قراءتُه في المفروضات؛ فإن تجويد اللفظ وتقويمَ الحروف وحسنَ الأداء واجبٌ فيه فحسب. وذهب الآخرون إلى أن ذلك واجب على كل من قرأ شيئا من القرآن كيف كان؛ لأنه لا رخصة في تغيير اللفظ بالقرآن وتعويجِه وإيجادِ اللحن سبيلاً إليه إلا عند الضرورة؛ قال الله تعالى: ﴿قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (الزمر: 28) »ه‍.

وهذا الخلاف على هذا الوجه الذي ذكره غريبٌ، والمذهب الثاني هو الصحيح، بل الصواب على ما قدمناه، وكذا ذكر الإمام الحجةُ أبو الفضل الرازيُّ في تجويده، وصوّب ما صوبناه»ه‍(14). فأنت تراه استغرب وجودَ القول بعدم وجوب التجويد في القراءة في غير الصلاة، وجعل الصحيحَ والصوابَ ما قدمه من الوجوب.

قلت: والتجويدُ لغةً هو التحسين، وهو مُشكِّك، يقبل الشدةَ والضعف، فأما ترك التجويد بمعنى الإخلالِ ببعض الأحرف أو الكَلِم أو بوجه الأداء فلا ينبغي الاختلاف في حرمته، وأما بمعنى الإخلالِ بإقامة الحروف بحيث يُخفي كثيرا منها، أو لا يخرجها من مخارجها، فقد يُنازَع في حرمته، ويمكن وقوع الاختلاف فيه.

ولمّا ذكر البخاري: «باب الترتيل في القراءة» إلى قوله: «وما يُكرَه أن يُهذّ كهذّ الشعر»، قال ابن حجر: «كأنه يشير إلى أن استحباب الترتيل لا يستلزم كراهة الإسراع، وإنما الذي يكره الهذّ، وهو الإسراع المفرط، بحيث يخفى كثيرٌ من الحروف أو لا يخرج من مخارجها» ه‍(15).

فانظر قوله: «بحيث» الخ، فإنه يُشعِر بأن الإفراط الكثير ـ بحيث لا يأتي ببعض الأحرف أو الكلماتِ ـ لا يقتصر فيه على الكراهة، والله أعلم.

ولعل هذا التفصيلَ هو المشارُ إليه في قول ابن الجزريّ: «وهذا الخلاف على هذا الوجه الذي ذكره غريب»(16).

فإن قلت: ما معنى ما أشار إليه النووي من التأثيم للقارئ والمستمع؟ قلت: أمّا بالنسبة إلى القارئ المتعمد أو الجاهل المقصِّر في التعلم فواضح، وقد صرح بذلك ابن الجزريّ كما تقدم، وأما الجاهل الذي لا شعورَ له باللحن، أو الذي لا يمكنه التعلمُ، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يُحرَم الأجرَ للَحْنه، بل يؤجر لنيته الصالحة، وعلى عمله السالمِ من اللحن والخطإ أيضا؛ لأن اللحن لا يعدو الكلمة التي وقع فيها.

وأما المستمع، فإن كان جاهلا فإنه يؤجر لاستماعه القرآنَ وتدبُّرِ كلِمِه؛ وإن كان عارفا، فإن أمكنه التغييرُ ولم يغير كان آثما، وإلا فلا إثم عليه، بل يؤجر؛ لأنه إنما قصد استماع القرآن، لا من حيث قراءتُه على وجه الخطإ واللحن، وإنما الأعمال بالنيات.

ثانية مسألتي السؤال: مسألةُ إجراء الوصل مُجرى الوقف في غير المواضع التي نقل فيها:

ما حكم ما يفعله الناس من ذلك كتسكين المتحرِّك، وإبدالِ تاء التأنيث هاءً في نحو: ﴿غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ﴾ (البقرة: 7)، وإبدال التنوين ألِفاً في نحو: ﴿مَرَضًا وَلَهُمْ﴾(البقرة: 10) إلى غير ذلك مما هو مقررٌ في الوقف، يستعملونه في الوصل إجراءً له مُجرى الوقف؟

والجواب أن إجراءَ الوصل مُجرى الوقف واردٌ في كلام العرب، وقد اختلف النُّحاة في كونه مختصا بالضرورة أو جائزا في النثر، فذهب سيبويهِ إلى الأول(17)، وآخرون إلى الثاني، وعليه الزمخشري في «المفصل»(18)، وصرح ابن مالك في «التسهيل»(19) و«الكافية»(20) و«الخلاصة»(21) بجوازه في النثر على قلة، والصحيح الجوازُ لوروده في كلام الله تعالى متواترا في مواضع، لكن ليس كلُّ ما جاز في العربية جاز أن يُقرأ به؛ إذ ليس عمل القراء على ما هو الأفشى لغةً والأقيسُ عربيةً، بل على الأثبتِ روايةً والأصحِّ نقلا، كما تقدم عن أبي عمرٍو الدانيّ.

وتقدم أن القراءة سنةٌ متبعة كما صرح به جمعٌ من السلف الصالح والصدر الأول، وسبق أيضا أنه لا يجوز إحداثُ قراءة على غيرِ ما ورد، وأنه لا مجال للرأي والاجتهاد في القراءة، وأن القول بذلك على الإطلاق فيه خرقٌ للإجماع، ويُنسَب صاحبه إلى الضلال والابتداع، وأنْ لا فرقَ بين ما كان من قبيل الأداء وغيره، ومن أجاز القياس من القراء فإنما أجازه عند فقدانِ النص، والجهلِ بكيفية قراءة الرسول عليه السلامُ، وغموضِ وجه الأداء، والأمر في هذه المواضع التي يُجرون الوصل فيها مُجرى الوقف على خلاف ذلك، فالواجب أن يقتصر فيها على ما اشتهرت القراءة به، وتقدم أيضا أنه لا بد في الحدْر من المحافظة على إيثار الوصل وإقامة الإعراب.

فإن قلت: لم لا يجوز أن يخرّج فعلُهم هذا على الوقف أو السكت؟

قلت: أما تخريجه على الوقف فمما لا معنى له؛ لأن الوقف ملزوم لقطع الصوت، لقولهم في تعريفه: «عبارةٌ عن قطع الصوت على الكلمة زمناً يتنفس فيه عادةً بنية استئناف القراءة، إما بما يلي الحرفَ الموقوفَ عليه، أو بما قبله»(22)، ولا قطعَ صوتٍ في هذا الفعل.

وأما تخريجه على السكت فغيرُ ظاهر أيضا، لقولهم في تعريفه: « عبارةٌ عن قطع الصوت زمناً هو دون زمنِ الوقف عادةً من غير تنفس»(22). وقد اختلفت عبارة القراء عنه، ولمّا قال الشاطبي:

وسكتةُ حفص دون قطع لطيفةٌ 

 

.......................

 

حملوه على نفي القطع الشديد؛ قال ابن الجزري بعدما طوّل بنقل عباراتهم ما نصه: «فقد اجتمعت ألفاظهم على أن السكت زمنُه دون زمن الوقف عادةً، وهم في مقداره بحسب مذاهبهم في التحقيق والحدْر والتوسط، حسبما تحكمه المشافهة»(23).

وقال الجعبري: «هو قطع الصوت زمنا قليلا أقصرَ من زمن إخراج النفَس؛ لأنه إن طال صار وقفا يوجب البسملة» ه‍(24).

وإن سلّم أن ما يفعلونه من قبيل السكت، ولكنهم يفْرِطون فيه، فيختلسونه من غير إشباع، فالسكت مقيد بالسماع والنقل؛ قال ابن الجزريّ ما نصه: «الصحيح أن السكت مقيد بالسماع والنقل؛ فلا يجوز إلا فيما صحت الرواية فيه لمعنى مقصودٍ لذاته. وذهب ابن سعدانَ فيما حكاه عنه أبو عمرو، وأبو بكر بنُ مجاهد فيما حكاه عنه أبو الفضل الخزاعيُّ إلى أنه جائز في رؤوس الآي مطلقاً حالةَ الوصل لقصد البيان، وحمَل بعضُهم الحديثَ الواردَ على ذلك، وإذا صح حمْلُ ذلك جاز، والله أعلم»ه‍(25).

وإذا فرّعنا على عدم الجواز جرى ما تقدم من التفصيل في المسألة التي قبل هذه بالنسبة إلى التأثيم وعدمه، والله أعلم.

وأما حكم أوجه الأداء من ترقيق وتفخيمٍ وإظهارٍ وإدغامٍ وغير ذلك، فقد تقدم من كلام المحققين أن ذلك كلَّه متواتر، فما اتفق عليه القراء من ذلك فهو المتعيّن، وما لا فلا، والمرء مخير في أن يقرأ بأيِّ قراءة شاء، ولا تتعين عليه قراءةُ واحد بعينه.

ومن كلام القاضي أبي بكر الباقلاني ـ رحمه الله ـ ما نصه: «وإذا كان كذلك وجب أن يكون جميع هذه الأحرف والقراءات المروية عن أهل الأمصار والمنطويةِ عليها مصاحفُهم، روايةً توجب العلم وتقطع العذر، كلُّها صحيحة ثابتة، ومما أنزل القرآن عليها، وخيّر الناس في القراءة بأيها شاء، وسهل عليهم؛ لأن جميع هذه الأحرف والقراءات واختلاف هذه المصاحف  منقولٌ عند أهل الأمصار والآفاق نقلا ظاهرا متواترا، وخلفا عن سلف، وآخرا عن أول».

وهذا آخر ما تيسر إيرادُه في هذا التقييد، بقدرة العزيز الحميد، وقد تكفل ـ والحمد لله ـ بجواب السؤال، وتضمن لآلِئَ العقود وعقودَ اللآل، فلِلّه الحمدُ على ما منح من التوفيق، والتسديد في التلفيق، وصلى الله على سيدنا محمد الهادي الأمين، والنور الساطع المبين، وعلى آله الأكرمين، وصحابته المكرمين، وسلم تسليما.

من كتاب: من كتاب اقتباس أنوار الهدى فيما يتعلق ببعض وجوه الأدا لأبي حفص عمر بن عبد الله الفاسي (ت1188ه‍)

الهوامش

(1)  كنز المعاني (ط. الأوقاف) 1/344.

(2)   النشر 1/320 والقول للأهوازي.

(3)   النشر 1/320 وانظر جامع البيان 1/471.

(4)  النشر 1/320 وانظر جامع البيان 1/470.

(5)  ينظر: المسألة الأولى من كتاب اقتباس أنوار الهدى ص85ـ100.

(6)  اقتباس أنوار الهدى ص116 فما بعدها.

(7)  أنوار التنزيل 1/ 4ـ5.

(8)  صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب مد القراءة، رقم4759.

(9)  فتح الباري 9/91.

(10)                 النشر 1/207.

(11)                 النشر 1/231.

(12)                  الأذكار ص108.

(13)                  التبيان ص111.

(14)                 النشر 1/210ـ212.

(15)                 الفتح 9/89.

(16)                 النشر 1/212.

(17)                 الكتاب 1/29.

(18)                 1/480.

(19)                 ص331.

(20)                  وذلك في قوله: والوقف قد ينوى فيعطى الوصل ما ...

(21)                  وذلك في قوله: وربما أعطي لفظ الوصل ما ...

(22)                  النشر 1/240.

(23)                  النشر 1/241.

(24)                  الكنز 2/188.

(25)                  النشر 1/243.

إعداد الأستاذ سمير بلعشية ـ باحث بمركز أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

المصدر: اقتباس أنوار الهدى فيما يتعلق ببعض وجوه الأدا



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

إعلان عن موعد المؤتمر العـالمي الثالـث للـقراءات القرآنية

إعلان عن موعد  المؤتمر العـالمي الثالـث للـقراءات القرآنية

يعـلن رئيس الـمؤتمر العـالمي الثالـث للـقراءات القرآنية  « التلقي القرءاني في عهد الصحابة الكرام:أنماط ومآلات » أ.د. عبد الرحيم بن عبد السلام نبـولسي، أن  تاريخ انعقاد المؤتمربإذن الله تعالى  هو:
أيام 11-12-13 صفر 1439هـ، الموافق لـ: 30-31، أكتوبر-01 نونبر  2017م .

بيان بتأجيل المؤتمر العـالمي الثالـث للـقراءات القرآنية

بيان بتأجيل المؤتمر العـالمي الثالـث للـقراءات القرآنية

يعـلن رئيس اللـجنة العلمية  للـمؤتمر العـالمي الثالـث للـقراءات القرآنية  « التلقي القرءاني في عهد الصحابة الكرام:أنماط ومآلات »أ.د. عبدالرحيم بن عبدالسلام نبـولسي

أسماء السادة المشاركين الذين تقرر إدراج أبحاثهم للعرض

أسماء السادة المشاركين الذين تقرر إدراج أبحاثهم للعرض

يطيب لرئيس اللجنة العلمية  للمؤتمر العالمي الثالث للقراءات القرآنية «  التلقي القرءاني في عهد الصحابة الكرام:أنماط ومآلات » أ.د. عبدالرحيم بن عبدالسلام نبولسي ـ بعد مفاتشة الأبحاث، والنظر في تقارير أصحاب الفضيلة المحكمين ـ أن يعلن عن أسماء السادة المشاركين الذين تقرر إدراج أبحاثهم للعرض والمدارسة في هذا الائتمار