نصوص منتقاة

نظام الأداء في الوقف والابتداء
نظام الأداء في الوقف والابتداء

25.06.2012

 " القارئ مأمور عند العلماء بإحسان الوقف والابتداء، حفظا على النظم الذي أعجز البلغاء تسويره وتفصيله :

**  بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ** [ يونس الآية 39]، فبإحسان الوقف تتبدَّى للسامع فوائده الوافرة، ومعانيه الفائقة، وتتجلى للمُنْتَجِعِ مقاصدُه الباهرة ومناحيه الرائقة، التي لم تستعن العرب على فهمها بمادة خارجة عنها، بل فهمته بفضل طباعها التي بها نُزِّل، وعليها فُصِّل. وأما غيرهم فإنما فهموه بالقوانين التي وُضعت لفهم عربيّتهم، ولقن لغتهم التي لا يسع القراء جهلها، ولا تكمل تلاوتهم إلا بها، فماذا تنفع القارئَ الرواية إذا قصرت به الدراية؛ فهو لقصوره يواقع اللحن في كل حين، ولا عذر له في جهالته عند أنصار الدين.

وقد قال أبو مزاحم الخاقاني:

                      فأول علم الذكر إتقان  حفظه           ومعرفة باللحن فيه إذا  يجري

                     فكن عارفا باللحن كيفما تزيله          وما للذي لايعرف اللحن من عذر

وإذا استُقبحَ من القارئ اللحن في شعر يُنشده، أو كلام يورده، فاستقباحُه منه، واستفحاشه عليه في كتاب الله تعالى أولى، وهو بالتوبيخ فيه والمقت عليه أحقُّ وأحرى.

أليس من الخطأ العظيم أن يقرأ كتاب الله تعالى، فيُقطعَ القطع يفُسد به المعنى، فيتولى تغيير الذكر الحكيم، وبئس ما تولَّى.

فيتعينُ فرضا على القارئ تحصيل ما يسدّده إلى القطع السليم، ويهديه إلى الابتداء القويم، فيستظهره حفظا وعلما، ويستنبطه فطنة وفهما، ويدارس به الأئمة النُبلاء، والمشيخة الفهماء، حتى إذا قرأ وصل ما يجب وصله، وفصل ما يجب فصله، ويتعمد القطع لقارئٍ في موضع تعمد الوصل فيه لغيره، ويتحرَّى فيصل المنعوت بنعته، والفعل بفاعله، والفاعل بمفعوله، والمؤكِّد بمؤكَّده، والبدل بالمبدل منه، والمستثنى بالمستثنى منه، والمعطوف بالمعطوف عليه، والمضاف بالمضاف إليه، والمبتدآت بأخبارها، والأحوال بأصحابها، والأجوبة بطالبها، والمميِّزات بمميَّزاتها، وجميعَ المعمولات بعواملها، ولا يفصل شيئا من هذه الجمل إلا في بعض أجزائها، إن كان رأس آية، فإن السنة أحكمت الفصل فيها، ويستذكر لازمه من ذلك حين دراسته، ويستثبته وقت إيراده ومباحثته، حتى يميِّزَ المقاطع التامة، من المقاطع الكافية، من المقاطع الحسنة، من المقاطع القبيحة، وما لا يجوز الوقف عليه جملةً."    

المصدر : نظام الأداء في الوقف والابتداء ، لأبي الأصبغ الأندلسي المعروف بابن الطحان[ت561 ه‍‍‍]، ص 20-21-22، تحقيق د / علي حسين البوّاب، مكتبة المعارف الرياض 1985 م.   



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التجويد حلية التلاوة

التجويد حلية التلاوة

التَّجْوِيدُ هُوَ حِلْيَةُ التِّلَاوَةِ، وَزِينَةُ الْقِرَاءَةِ، وَهُوَ إِعْطَاءُ الْحُرُوفِ حُقُوقَهَا وَتَرْتِيبُهَا مَرَاتِبَهَا، وَرَدُّ الْحَرْفِ إِلَى مَخْرَجِهِ وَأَصْلِهِ، وَإِلْحَاقُهُ بِنَظِيرِهِ وَتَصْحِيحُ لَفْظِهِ، وَتَلْطِيفُ النُّطْقِ بِهِ عَلَى حَالِ صِيغَتِهِ وَكَمَالِ هَيْئَتِهِ; مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَعَسُّفٍ، وَلَا إِفْرَاطٍ وَلَا تَكَلُّفٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ قِرَاءَةَ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ"

ما يستفاد بتهذيب الألفاظ وماذا تكون الثمرة الحاصلة عند تثقيف اللسان

ما يستفاد بتهذيب الألفاظ وماذا تكون الثمرة الحاصلة عند تثقيف اللسان


اعلم أن المستفاد بذلك حصول التدبر لمعاني كتاب الله تعالى والتفكر في غوامضه والتبحر في مقاصده ومرامزه، وتحقيق مراده جل اسمه من ذلك، فإنه تعالى قال:﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب﴾

شروط صناعة الإقراء

شروط صناعة الإقراء

قال ابن الباذش: ’’[صناعة] الإقراء يحتاج منتحلها إلى مجموع أشياء؛ منها: الأخذ عن ثقات الشيوخ، ومشافهتهم بالحروف، ومطاولة صحبتهم، وحفظ اختلاف القراء في الأصول وفي فرش الحروف، والمعرفة بأقوال أهل الأداء من متقدم ومتأخر، والإتقان لعباراتهم وتحصيل معانيها، والوقف على آرائهم،