بحث ومقال

توقيفية الرسم القرآني
توقيفية الرسم القرآني

بقلم الأستاذ عبد الجليل الحوريشي - [باحث بالمركز]

أولا: ما الرسم القرآني ؟

 الرسم القرآني؛ مصطلحان تضايفا ليفهما أن للقرآن رسما خاصا به، وكفى بهذه التسمية دلالة على تلازم المسميين، وعلى ضرورة التزام كاتب كلام الله  هذا السر القرآني حال كتابته، وأنه لا مندوحة له عن العدول عن سَنن أهله وحزبه، إلا في مواضع معلومة، نص عليها أهل هذا الشأن،  فهو أثر السلف عند خطِّهم الكتاب، وعند البعض؛ هو وحي من أمين السماء إلى أمين الأرض عليهما السلام، وعلى كلا التقديرين فهو أثر، كما تفيده الدلالة اللغوية للكلمة، قال صاحب اللسان:"الرسم" الأثر، وقيل بقية الأثر،قال جميل :

رسمِ دار وقفت في طلله       كدت أقضي الغداة من جلله(1) 

والرسم القرآني عند أهل هذا الشأن: "علم تعرف به مخالفات خط المصاحف العثمانية لأصول الرسم القياسي(...) والمراد بأصول الرسم القياسي؛ قواعده المقررة فيه، ويرادف الرسم، الخط، والكتابة، والزبر، والسطر، والرقم، والرشم، بالشين المعجمة، وإن غلب الرسم بالسين المهملة في المصاحف ". (2)

إذن فالرسم القرآني علم يبحث في كيفية كتابة الكلمات القرآنية، من حذف وإثبات، وفصل ووصل، وزيادة ونقصان، وما إلى ذلك من مباحث رسم القرآن؛ ما يحكمه في ذلك قانون عام، وما له استثناآت عن القاعدة الكلية التي يندرج تحتها.    

ثانيا: مكانة هذا العلم وبعض ما صنف فيه.

الحديث عن رسم القرآن لا تسعه هاته السطور المعدودة، فهو علم مستقل من علوم القرآن العتيدة، صنف فيه علماء أجلاء، وتبارى في ميدانه الرحب جهابذة بلغاء، فجاء عطاؤهم حافلا، فمن منثور ومنظوم، إلى آخر من شكله مبوب مرسوم، ناهيك عن الأنصاص والأرجاز التي يذيل بها الحفظة خاتمة اللوح،  ضبطا للمرسوم، وحفظا للمتشابه من المنظوم، فأغنوا بذلك أهل القرآن بما يشفي الِوجدان،  وجاءوا بورد يروي غليل الظمئان.

    احتفى علماء التنزيل بالرسم القرآني أيما احتفاء، فكان لهم اهتمام خاص به، وظهرت لهم فيه مؤلفات كثيرة، بعضها سار على وفق ترتيب المصحف في ذكر اختلاف المرسوم، وبعضها يذكر الأشباه والنظائر عند أول موضع ذكرت فيه اللفظة القرآنية، وبعضهم من جاوز هذا وذاك ليقف على أسرار الحذف والإثبات كما فعل ابن البناء المراكشي (721هـ) في كتابه "عنوان الدليل من مرسوم التنزيل" وما إلى ذلك من مباحث رسم القرآن، فمن بواكر ما ألف في ذلك كتاب: مرسوم الخط ليحي بن يعمر( 90هـ). وكتاب الهجاء، وكتاب مقطوع القرآن، وكتاب اختلاف مصاحف أهل المدينة وأهل الكوفة وأهل البصرة، لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي (189هـ). وكتاب الرد على من خالف مصحف عثمان، وكتاب مرسوم الخط، وكتاب الهجاء، وكتاب المقطوع والموصول، لأبي بكر محمد الأنباري (327هـ). وهجاء مصاحف الأمصار لأبي العباس المهدوي(430هـ). وهجاء المصاحف لمكي بن أبي طالب (437 هـ).المقنع لأبي عمرو الداني، (444هـ) . ومختصر التبيين في هجاء التنزيل لأبي داوود سليمان ابن نجاح (496هـ

ثالثا: ماذا عن ضرورة الالتزام بالرسم العثماني؟

 نص العلماء على ضرورة الالتزام بالرسم العثماني، ومراعاته عند كتابة المصاحف، فهو ليس طريقة من طرق الكتابة القديمة فحسب، ولكنه أمر توقيفي لا دخل للاجتهاد فيه، ولا يخضع  للقواعد الإملائية في تقعيده وتأصيله، ومن الآثار المشهورة في ذلك قول أشهب بن عبدالعزيز : "سئل مالك بن أنس ، فقيل له : أرأيت من استكتب مصحفاً اليوم، أترى أن يكتب على ما أحدث الناس من الهجاء اليوم ؟

فقال : "لا أرى ذلك ، ولكن يكتب على الكتبة الأولى."

وقد علق على ذلك الإمام أبو عمر الداني رحمه الله بقوله : "ولا مخالف له في ذلك من علماء الأمة"(3)

 وقد أورد العلامة الشهير علي محمد  الضباع 1380هـ -مقرئ عموم المقارئ المصرية في زمانه-  نصوصا مستفيضة عن جلة من العلماء في ضرورة التمسك برسم القرآني، ثم قال عقب ذلك:"ففي كل هذه النقول دلالة جلية على وجوب اتباع الصحابة فيما فعلوه من رسم المصحف الشريف، وكما لا تجوز مخالفة خط المصحف في القرآن، لا يجوز لأحد أن يطعن في شيء مما رسموه فيها؛ لأنه طعن في مجمع عليه، ولأن الطعن في الكتابة كالطعن في التلاوة."  (4)

رابعا: الرسم القرآني شرعة منتهجة منذ نزول الوحي إلى اليوم.

ذهب بعضهم إلى حِرمة مخالفة الرسم القرآني، واشتد نكيره في ذلك، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: "تحرم مخالفة خط مصحف عثمان فى واو أو ألف أو ياء أو غير ذلك" (5)

 فالرسم القرآني سنة متبعة، وشرعة منتهجة، درج عليها الخلف عن السلف،لم يرخصوا العدول عنها إلا في تعليم الصبيان،قال مالك رحمه الله:  "أما المصاحف الصغار التي يتعلم فيها الصبيان وألواحهم فلا أرى بذلك بأسا"

 وفي الموضوع قول آخر يجيز مخالفة الرسم عامة، وذلك تيسيرا للتلاوة، ومواكبة لتطور الكتابة، وممن عضَد هذا القول, ابن خلدون في المقدمة، والقاضي أبو بكر في الانتصار، ودليلهم في ذلك أن الله لم يفرض على الأمة شيئا في كتابته، وأنه لم يرِد  في السنة والإجماع ما يوجبه.

 ولقد ناقش جمهور العلماء هذا القول بأدلة تدحضه وتوهن من حجيته، وليس هذا مقام بسط هذه المسألة.(6)

خامسا: الرسم القرآني ضابط معتبر من ضوابط القراءة الصحيحة:

تكلم أهل القرآن عن ضوابط القراءة الصحيحة، ما يعد منها متواترا يصح التعبد به وتلاوته في الصلاة، وما يعتبر شاذا تستنبط منه الأحكام ولا يقرأ به في الصلاة، فجعلوا من الضوابط المحكَّمة في معرفة المقبول من المردود في ذلك؛ موافقة الرسم العثماني.

ومن أشمل ما طالعته في هذا الموضوع رسالة لطيفة للدكتور الفاضل توفيق العبقري بعنوان " الرسم القرآني ضابطا من ضوابط القراءة الصحيحة" جمع فيها شتات هذا الموضوع جمعا محكما، تتماسك فيه الفصول بالمباحث، يوحي عن سعة اطلاع وتمكن، وخبرة واسعة  بهذا المسلك الوعرة دروبه ومسالكه، المتناثرة قضاياه ومباحثه، ليخلص إلى النتيجة التي عنون بها دراسته، وهي حاكمية الرسم على القراءة، وهذا القول هو الذي نصره الجهابذة النقاد من أهل هذا الشأن، يقول الإمام المحقق ابن الجزري رحمة الله عليه:

فكل ما وافق وجه نحوي *** وكان للرسم اتفاقا يحوي

وصح إسنادا هو القـرآن***  فهذه الثلاثة الأركـان

وحيث اختل شرط أثبت ***  شذوذه لو أنه في السبعة

هاته الموافقة للرسم القرآني ـ بموازاة الضابطين الآخرين ـ هي التي تعطي للقراءة حجيتها، و منها تستمد مشروعيتها في التعبد واستنباط الأحكام. أحوال الكلمات القرآنية من حيث موافقة الرسم

الكلمات القرآنية من حيث موافقة الرسم قسمان:

  أ-  موافقة صريحة: وهي أن توافق التلاوة المرسوم موافقة حقيقية تقرأ فيها جميع حروف الكتاب نحو: {أنصار الله} [الجمعة 14] -  {فنادته الملائكة}  [آل عمران39] - {يُغفر لكم} [البقرة57] - {هيت لك} [ يوسف 23] – إذ تجرد مصحف الإمام عن النقط والشكل، يسعف اللفظة لاحتمال أكثر من صيغة، وهو أمر هُدي إليه الصحابة توفيقا وإرشادا منه سبحانه يقول الشاطبي في العقيلة:

فجردوه كما يهوى كتابته *** ما فيه نقط ولا شكل فيحتجرا

يقول ابن الجزري:"وإنما أخلوا المصاحف من النقط والشكل لتكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيهة بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المعقولين المفهومين، فإن الصحابة رضوان الله عليهم تلقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمره الله تعالى بتبليغه إليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعا، ولم يكونوا ليسقطوا شيئا من القرآن الثابت عنه صلى الله عليه وسلم ولا يمنعوا من القراءة به "النشر في القراآت العشر (1/33)

 ب - موافقة احتمالية: وذلك بأن يحتملها اللفظ بوجه من الوجوه المعتبرة عند أهل هذا الشأن، وهاته هي معيار قبول القراءة عندهم.

فمثلا "ملك يوم الدين " فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف، فالذي قرأه بالحذف قراءته توافق المرسوم تحقيقا، والذي قرأه بالألف قراءته توافقه احتمالا. ومثله {وواعدنا موسى} [الأعراف:142] -{تفادوهم}  [البقرة:84]-{يخادعون الله}  [البقرة:8]– فهذه المثل كلها تقرأ بإثبات الألف وحذفها.

ولم يكتف ثلة من علماء القرآن بالقول بتوقيفية الرسم القرآني، ولكنهم ذهبوا أبعد من ذلك، فعدوا الرسم القرآني جانبا من جوانب الإعجاز، وأنه يحمل في طياته أسرارا ربانية عالية، يفتح الله بها على من اصطفى من عباده، وعامله باللطف في مقاديره، تفيض على من صفت سريرته، وعامل الله بالصدق في أقواله وفِعاله، ثم غاص بفكره استكناها لكوامن درره وعجائبه.

 يقول محمد شملول:"إنه من خلال دراستي لرسم الكلمة القرآنية وتلاوتها فإنني أعتقد أن الإعجاز القادم للقرآن الكريم إنما هو إعجاز رسم القرآن وإعجاز تلاوته إنه من الواجب على كل قارئ للقرآن التركيز على تدبر رسم كل كلمة قرآنية، ولماذا جاءت على هذا الشكل (...) إن تغيير رسم الكلمة أو شكلها لا بد وأن يؤدي إلى تغيير معناها، لا يمكن أن يتغير رسم الكلمة القرآنية عبثا، وكذلك الأمر بالنسبة لأحكام التلاوة، فإنه لا يمكن أن يكون ذلك عبثا."

 هوامش:

لسان العرب[ مادة : رسم ]

دليل الحيران على مورد الظمآن للمارغيني (إبراهيم التونسي1349هـ) دراسة وتقديم: د. عبد السلام محمد البكاري-ط1 [مركز التراث الثقافي المغربي، الدار البيضاء، 2005]،ص 63.

المقنع في رسم مصاحف الأمصار لأبي عمرو الداني ( عثمان بن سعيد 444هـ ) باعتناء أوتوبرتزل [ المعهد الألماني للأبحاث الشرقية 2009]، ص10-11

سفير العالمين في إيضاح وتحرير وتحبير سمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين ل د. أشرف محمد فؤاد طلعت –ط 1 [سلطنة بروني دار السلام ] ص 44.

إعجاز رسم القرآن لمحمد شملول ط 3 [ دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة] ص18.

النشر في القراآت العشر لابن الجزري ( محمد بن محمد الدمشقي 833هـ) أشرف على تصحيحه ومراجعته: على محمد الضباع [ دار الكتب العلمية بيروت لبنان ] 1/33



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

رسم همزة الوصل في القرآن

همزة الوصل في عرف النحاة هو الهمز المجتلب للتوصل للنطق بالساكن، إذ العرب لا تبتدئ بالساكن ولا تقف على المتحرك، أوكما قال سيبويه: «هو وصلة للمتعذر ابتداء» وحكمه: النطق به في الابتداء، وإسقاطه في الدرج، قال ابن مالك:

للوصل همز ساكن لايثبت       إلا إذا ابتدي به كاستثبتـوا

مفهوم الضبط القرآني وضوابطه

قال في الإبانة: «الضبط لزوم شيء لا يفارقه أبدا» وفي اصطلاح علماء الرسم: علم يعرف به ما يدل على عوارض الحرف، من الحركات الثلاث، والسكون والشد والمد ونحو ذلك، ويرادفه الشكل، وهو الذي اصطلح عليه في الأزمنة الأخيرة، وقد كان يسمى عند الأولين : «النقط»، وألفت بهذا العنوان كتب، ككتاب النقط لأبي عمرو الداني، أخذا من صورة الضبط القديم، إذ كان نقطا كما سيأتي معنا تفصيله، والنقط بهذا الاستعمال أوسع دلالة من الضبط، إذ يشمل الضبط والشكل، ويشمل أيضا الإعجام الدال على ذات الحرف، وهو النقط أفرادا وأزواجا المميز بين الحرف المعجم والمهمل.

الشيخ أبو العباس الهلالي ودرر في البسملة(3)

فهذه الحلقة الثالثة من سلسلة حلقات درر البسملة المنقولة عن الشيخ المقرئ النحوي الفقيه الأصولي البارع سيدي عبد العزيز بن أحمد الهلالي السجلماسي المتوفى سنة: (1175هـ) من خلال كتابه القيم نور البصر في شرح المختصر.